أحمد بن محمد بن عجيبة الحسنى

127

إيقاظ الهمم في شرح حكم سيدي أحمد بن عطاء الله السكندري

فحاله حال حمار الساقية في السير دائم ، وهو في موضعه قائم يظن أنه قطع مسافة مما طلب ، وما زاد إلا نقصا مع تعب . قال الشيخ أبو الحسن رضي اللّه تعالى عنه : قف بباب واحد لا لتفتح لك الأبواب ، تفتح لك الأبواب ، واخضع لسيد واحد لا لتخضع لك الرقاب فتخضع لك الرقاب ، قال تعالى : وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا عِنْدَنا خَزائِنُهُ [ الحجر : 21 ] أ . ه . فينبغي لك أيها المريد أن ترفع همتك إلى الملك المجيد ، فترحل من رؤية الأكوان إلى طلب شهود الملك الديان ، أو ترحل من الدليل والبرهان إلى رتبة الشهود والعيان ، وهو غاية القصد وبلوغ المنتهى ، وَأَنَّ إِلى رَبِّكَ الْمُنْتَهى [ النجم : 42 ] ، ولا ترحل من كون إلى كون ، بان تترك حظا من حظوظ نفسك طلبا لحظّ آخر فتكون كحمار الرحى الذي سار منه هو الذي عاد إليه ، وتشبيهه بالحمار دليل على بلادته وقلة فهمه ، إذ لو فهم عن اللّه لرحل عن حظوظ نفسه وهواه قاصدا الوصول إلى حضرة مولاه ، فلا ترحل أيها المريد من كون مخلوق إلى كون مخلوق مثلك ، ولكن ارحل من الكون إلى المكوّن ، وَأَنَّ إِلى رَبِّكَ الْمُنْتَهى [ النجم : 42 ] ، والرحيل إلى المكون يكون بثلاثة أمور : الأول : قصر همتك عليه دون ما سواه حتى يطّلع على قلبك فلا يجده محبّا لسواه . الثاني : الرجعى إليه بإقامة الحقوق والفرار من الحظوظ . الثالث : دوام اللجأ إليه ، والاستعانة به ، والتوكل عليه ، والاستسلام لما يورده عليك . قال الشيخ أبو الحسن رضي اللّه تعالى عنه : أربعة من كن فيه احتاج الخلق إليه وهو غني عن كل شيء : المحبة للّه ، والغنى باللّه ، والصدق ، واليقين ، الصدق في العبودية ، واليقين في أحكام الربوبية . وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْماً لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ [ المائدة : 50 ] . قاله الشيخ زروق رضي اللّه تعالى عنه ثم استدل على طلب رفع الهمة إلى اللّه مع الإعراض عما سواه بحديث الهجرة الذي في الصحيح فقال :